جلال الدين السيوطي
167
الإتقان في علوم القرآن
استوفى أقسام الخلق في المشي . وقوله : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ [ آل عمران : 191 ] استوفى جميع هيئات الذاكر . وقوله : يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً [ الشورى : 49 ، 50 ] استوفى جميع أحوال المتزوّجين ، ولا خامس لها . [ التدبيج ] التدبيج : هو أن يذكر المتكلّم ألوانا يقصد التورية بها والكناية . قال ابن أبي الإصبع : كقوله تعالى : وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ [ فاطر : 27 ] . قال : المراد بذلك - واللّه أعلم - الكناية عن المشتبه والواضح من الطرق ؛ لأنّ الجادّة البيضاء هي الطريق التي كثر السلوك عليها جدّا ، وهي أوضح الطرق وأبينها . ودونها الحمراء ، ودون الحمراء السوداء ؛ كأنها في الخفاء والالتباس ضدّ البيضاء في الظهور والوضوح . ولمّا كانت هذه الألوان الثلاثة في الظهور للعين طرفين وواسطة ، فالطرف الأعلى في الظهور البياض ، والطرف الأدنى في الخفاء السواد ، والأحمر بينهما ، على وضع الألوان في التركيب ، وكانت ألوان الجبال لا تخرج عن هذه الألوان الثلاثة ، والهداية بكلّ علم نصب للهداية منقسمة هذه القسمة ، أتت الآية الكريمة منقسمة كذلك ، فحصل فيها التدبيج وصحة التقسيم . [ التنكيت ] التنكيت : هو أن يقصد المتكلّم إلى شيء بالذكر دون غيره ، ممّا يسدّ مسدّه ، لأجل نكتة في المذكور ترجّح مجيئه على سواه . كقوله تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ( 49 ) خصّ الشّعرى بالذّكر دون غيرها من النجوم ، وهو تعالى ربّ كلّ شيء ؛ لأنّ العرب كان ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبي كبشة ، عبد الشّعرى ، ودعا خلقا إلى عبادتها ، فأنزل اللّه تعالى : وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ( 49 ) [ النجم : 49 ] التي ادّعيت فيها الربوبية .